اسماعيل بن محمد القونوي

137

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

السلامة عن الآفة قوله ( ثلاثا ) أي ثلاث ليال كما ذكر هكذا في سورة مريم للدلالة على أنه استمر عليه المنع من كلام الناس والتجرد للذكر والشكر ثلاثة أيام ولياليهن ( وإنما حبس لسانه عنه مكالمتهم خاصة لتخلص المدة لذكر اللّه وشكره قضاء لحق النعمة ) . قوله : ( وكأنه قال آيتك أن يحبس لسانك إلا عن الشكر ) بقرينة أن لا تكلم الناس مع قوله تعالى : فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا [ مريم : 11 ] وأمره قومه بالتسبيح يقتضي أنه عليه السّلام يسبح بكرة وعشيا . قوله : ( وأحسن الجواب ) أي أكثر حسنا وما سيأتي وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً [ آل عمران : 41 ] الآية ( ما اشتق عن السؤال ) « 1 » أي ما استفيد منه وينزع عنه لما طلب عليه السّلام معرفة وقت العلوق ليزيد الشكر فأجيب بما يعينه على ذلك وهو احتباس لسانه إلا عن الشكر فهذا الجواب منتزع عن السؤال وقول من قال فإن السؤال لتحصيل أمر يوجب الشكر واعتقال اللسان من كلام البشر يوجبه قريب مما ذكرنا وأيضا قوله من قال وأنه لما سأل آية لأجل الشكر أجيب بأنه لا يقدر إلا على الشكر كذلك قيل ما اشتق من السؤال أي روعي مناسبته للسؤال كأنه مشتق منه حمل الكلام على التشبيه ولا حاجة إليه لأن الاشتقاق هو الأخذ وهو متحقق هنا . لسانه عن أمور الدنيا وأقدره على الذكر والتسبيح والتهليل ليكون في تلك المدة مشتغلا بذكر اللّه تعالى وبالطاعة والشكر على تلك النعمة الجسيمة وعلى هذا التقدير يصير الواحد علامة على المقصود وأداء للشكر بتلك النعمة فيكون جامعا لكل المقاصد . قوله : أن يحبس لسانك إلا عن الشكر يحبس على لفظ المبني للمفعول وهو الأنسب لكونه علامة . قوله : وأحسن الجواب ما اشتق من السؤال أي ما أخذ وانتزع منه وجهه ما قال صاحب الكشاف كأنه لما طلب الآية من أجل الشكر قيل له آيتك أن يحبس لسانك إلا عن الشكر ثم قال وأحسن الجواب وأوفقه ما كان مشتقا من السؤال أي منتزعا منه ومعناه أحسن الجواب ما روعيت فيه بعد المناسبة المعنوية المناسبة اللفظية كأن زكريا عليه السّلام لما سأل بقوله : اجْعَلْ لِي آيَةً [ آل عمران : 41 ] أي علامة لا تلقى هذه النعمة بالشكر أجيب بأن آيتك أن لا تقدر على شيء من الكلام سوى شكري فإن قيل ليس في قوله : اجْعَلْ لِي آيَةً [ آل عمران : 41 ] ما تشعر بأن طلبها من أجل الشكر أجيب بأن ذلك مقدر في السؤال الذي هو قوله : اجْعَلْ لِي آيَةً [ آل عمران : 41 ] لما في الجواب من قوله : وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً [ آل عمران : 41 ] دلالة عليه وفيه نظر لأنه عكس ما قال المص أحسن الجواب ما اشتق من السؤال فإن هذا انتزاع السؤال من الجواب لا عكسه فقال بعض الفضلاء والأولى أن يقال دلالة قوله أجعل لي آية على أنها لتلقى النعمة بالشكر ناشئة من المقام وذلك لأنه لما أزيل الاستبعاد لم يبق لطلب الآية وجه سوى القيام بشكر نعمة كان يستبعد حصولها وحينئذ يصح أن يكون الجواب منتزعا من السؤال .

--> ( 1 ) وجه الأمنية مطابقة الجواب للسؤال .